محمد أبو زهرة

384

المعجزة الكبرى القرآن

نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 100 ) . [ يوسف : 99 ، 100 ] 237 - لم نتتبع قصة الصديق نبي اللّه يوسف من وقت أن رموه في الجب ، وأردنا أن نربط بين أجزاء الأسرة لنعرف مقدار ما يتبين من القرآن من حال النفوس في ميعة الشباب وجهالته ، وما يكون منها بعد أن تسكن عواصف الغيرة . وتتوافر بواعث الرحم . ذهب إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون ، ورجحنا أن يكون بكاء حقيقيا ، وليس كدموع التماسيح كما يقولون . وقلنا أنها انفعالة الرحم . وإن لم يكن لها أثر عملي . إذ كانوا يستطيعون أن يعودوا ويستنقذوه من الجب الذي ألقوه فيه ، ويظهر أنهم كانوا بين عاطفتين متضاربتين : عاطفة الرحم الجامعة ، والغيرة الملحة الباعثة على البغضاء ، فذرفت عيونهم بالعاطفة الأولى ، وأقعدتهم الثانية عن أن يزيلوا ما فعلوا ، وما ارتكبوا في حق أخيهم . ونترك أولئك الإخوة في حيرتهم ، واضطراب عواطفهم ، ولنتجه إلى الأب المكلوم الذي فقد ولده ، فإنا نلاحظ فيه ثلاث عواطف ، كل واحدة تجرى على لسانه : أولاها - ألم الفراق الذي أصاب نفسه ، لقد كان ولده الحبيب المقرب الصغير ، والصغر ذاته يجلب المحبة ويجعله أكثر قربا ، وآثر بالمحبة من غير أن يفقد أحد من أولاده محبته ، فالحب الأبوى يقبل الاشتراك ، ولكن في تفاوت بالسن ، وبالقرب ، وبالخلق ، وبالمخائل التي تدل على الانفراد بمزايا دون غيره . والثانية - أن الذين كرثوه بهذه الكارثة التي هدت كيانه ، وجعلت عيناه تبيضان من الحزن ، هم أولاده ، وأفلاذ كبده ، فلا يمكن أن يكونوا أعداءه ، ولا يمكن أن يبغضهم ، لأن بغضهم يكون ضد الفطرة ، وتلك حال لا يصبر عليها إلا أولوا النفس القوية التي هي نفوس الأنبياء والصديقين ، وفي الموقف الذي وقفه الشيخ من إحساسه بالألم من أولاده ، مع إحساسه بعاطفته مجال للدرس والتحليل ، وجه القرآن الكريم إليه أنظار الدارسين والفاحصين . الثالثة - أن يعقوب عليه السلام كان في قلبه إحساس عميق بأنه سيلقى ابنه في المستقبل إن لم يكن في القريب العاجل ، ففي البعيد الآجل ، فهو إذ يتهم أبناءه ، ويقول لهم : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول أيضا صابرا : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ويقول وقد غاب عنه ابنه الثاني بعد أن تباعد الزمان ، وأن يكون قد غمى على الموضوع النسيان : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) [ يوسف ] .